ذلك الغروب لم يكن مجرد نهاية يوم… بل نهاية حقبة كاملة.
مع انحدار شمس آخر يوم من عام 1999، شعر العالم وكأنه يقف على حافة بوابة كونية. لم يكن غروباً عادياً، بل كان ستاراً يسدل على عقدٍ، على قرنٍ، وعلى ألفية كاملة. كان الضوء الذهبي الأخير للتسعينات يذوب في الأفق وكأنه توقيع زمني على ذاكرة جيل بأكمله.
في مدن العالم، كان الناس يحدقون نحو الغرب حيث تلوّن السماء بأطياف البرتقالي والأحمر القرمزي. ذلك الغروب حمل معه صور التسعينات: أشرطة الكاسيت، الهواتف الضخمة الأولى، أصوات الاتصال عبر الإنترنت الهش، سقوط الجدار العظيم، وأغاني الروك والجرانج. لكن خلف الجمال، كان هناك توتر. شبح “مشكلة الألفية – Y2K” جعل العالم متوجساً: هل ستنهار الطائرات؟ هل ستتوقف البنوك؟ هل ستصمت الحواسيب؟ ومع ذلك، احتشد الناس على الشواطئ والأسطح والجبال ليودعوا شمس القرن العشرين الأخيرة.
كل غروب يحمل معنى النهاية، لكن هذا الغروب كان مختلفاً. بالنسبة للبعض، كان نهاية الطفولة. بالنسبة لآخرين، كان حنيناً إلى أيام الشرائط والألعاب القديمة ورسائل اليد المكتوبة. أما الحالمون، فقد رأوه بوابة نحو المستقبل. ألفية جديدة تنتظر: سرعة إنترنت غير مسبوقة، مدن مستقبلية، علاجات للأمراض، وربما رحلة إلى النجوم. الأفق كان مفتوحاً كصفحة بيضاء مغموسة بألوان الغروب.
هناك من كانوا في “تايمز سكوير” يتابعون العد التنازلي العملاق، وهناك من جلس مع العائلة حول طاولة العشاء، وآخرون انحنوا في المساجد والكنائس يدعون من أجل غدٍ أفضل. لكن المشهد المشترك كان واحداً: عيون البشر تتابع آخر شمس للتسعينات، وكأنها لقطة ختامية في فيلم طويل.
اليوم، حين نتذكر ذلك الغروب، ندرك أنه لم يكن مجرد لحظة عابرة. لقد كان درساً: الزمن يمكن أن يُرى ويُشعر به، لا أن يُحسب فقط.
31 ديسمبر 1999 كان مرآةً للإنسانية. سألنا: ماذا نترك خلفنا، وماذا نحمل معنا إلى المستقبل؟